ابن الجوزي
108
كتاب ذم الهوى
الأمر ، وإن توانى حتى ولجت ، ثم قام يجذبها بذنبها طال تعبه ، وربما لم يتهيأ له . وكذلك النظرة : إذا أثّرت في القلب ، فإن عجّل الحازم بغضّها وحسم المادّة من أولها سهل علاجه ، وإن كرّر النظر نقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرغ فنقشها فيه ، فكلما تواصلت النظرات كانت كالمياه تسقى بها الشجرة ، فلا تزال تنمو ، فيفسد القلب ، ويعرض عن الفكر فيما أمر به ، ويخرج بصاحبه إلى المحن ، ويوجب ارتكاب المحظورات ، ويلقي في التلف . والسبب في هذا الهلاك أن الناظر أول نظرة التذّ بها فكرّرها يطلب الالتذاذ بالنظر ، مستهينا بذلك ، فأعقبه ما استهان به التلف ، ولو أنه غضّ عند أول نظرة لسلم في باقي عمره . فصل : وقد أكثر الشعراء في وصف البلايا التي حلّت بالناظرين : فقال الفرزدق : تزوّد منها نظرة لم تدع له * فؤادا ولم يشعر بما قد تزوّدا فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا * بغير سلاح مثلها حين أقصدا وقال إبراهيم بن العباس بن صول الكاتب : من كان يؤتى من عدوّ وحاسد * فإني من عينيي أتيت ومن قلبي هما اعتوراني نظرة ثم فكرة * فما أبقيا لي من رقاد ولا لبّ وروى أبو بكر بن دريد ، عن عبد الرحمن ، عن عمه ، قال : قعدت إلى أعرابي يقال له إسماعيل بن عمار ، وإذا هو يفتل أصابعه ويتلهّف . فقلت : علام تتلهف ؟ فأنشأ يقول : عيناي مشؤومتان ويحهما * والقلب حيران مبتلى بهما